أخر المقالات
تحميل...

التحدي

التحدي هي الكلمة التي أطلقها ثوار الانترنيت والفايسبوك والتويتر على الجمعة الثالثة من ثورتهم الحقيقية بأرض مصر في بداية شهر فبراير لسنة 2011 ، إذن جمعة التحدي التي أدون فيها هذه التدوينة، كانت فاصلة في تاريخ المصريين وتاريخ العالم وتاريخ الثورات... كان التحدي لصيقا بصمود ملايين الشباب بمطالب عادلة.. في تغييير نطام فاسد، وحكم  ظالم، وتفاوتات طبقية فاقت جميع الحدود، وفقر مذقع، وجهل وتجهيل وتضليل لملايين المصريين، ومن أجل استرجاع كرامة وعزة وشموخ افتقدوه لسنين بل لعقود...
       التحدي كلمة لا أعتقد أنها اختيرت بشكل عفوي من الثوار ومن المناضلين على الانترنيت، بل هي عين رغباتهم وطموحاتهم في إسقاط نظام حسني مشؤوم وتغيير جذري ببلدهم، الذي- والحق يقال- يعتزون به وبالانتماء إليه أيما اعتزاز... أكثر من اعتزاز أي مواطنين في العالم بوطنهم، وأتحدث هنا  عن النسبة الغالبة في الجانبين، فالتحدي هو التعبير السليم والمتوافق مع ما وقع طيلة ستة عشر يوما من مد وجزر ومن كر وفر للنظام المصري وزبانيته ومأجوريه في التحايل والمكر والكيد للثوار، غير أن صمود هؤلاء ووضوح هدفهم الأول ومرابطتهم بصدق جعلهم يربحون التحدي في يومه، وبأقل خسارة في تاريخ البشرية...
       صحيح أنني كتبت عن الثورة التونسية منذ أقل من شهر على أنها الأقل كلفة في تاريخ الثورات، وسيحسب لها فضل السبق، وأنها دامت مدة وجيزة لم تتعد شهرا واحدا قبل هروب رئيس نظامها الفاسد "خايب الهاربين بن سفلي".. وأنها المحفزة لشبان العالم العربي لتحقيق آمالهم في الانعتاق والتحرر من الظلم والاستبداد... غير أن ثورة الشباب في مصر لها نكهة خاصة ونجاح بمذاق أفضل...فالتحدي الذي رفعته كان صعب المنال، فالعوائق كثيرة ونظام حسني المشؤوم متجذر في جميع القنوات المفتوحة بداخل مصر وخارجها... من إعلام وتعددية سياسية وفكرية صورية وحقيقية، ومأجورين وبلطجية ،وجهازأمني ومخابراتي متحكم في دقائق الأمور،  ومساندة أمريكية وإسرائلية وأنظمة عربية قوية...
        كانت ظروف الثورة في مصر متميزة بالمناورات والكيد وتهديد الثوار الشباب وتعذيبهم واعتقالهم وبث الفرقة والشتات بينهم، ورميهم بأبشع النعوت، واتهامهم بالخيانة والعمالة ووصفهم بالعيال والسذج والأغبياء والبلداء وتثبيط عزائمهم... ولكنهم صبروا ورابطوا في ميدان التحرير أو ميدان الشهداء وصمدوا وقاموا وتحدو نظام الفساد بكل جرأة وشجاعة وقوة وعزم وحكمة ووعي... فكانت ثمرة ثورتهم البيضاء تحقيق مطالبهم وأكثر وأسقطوا أقوى نظام في المنطقة، واسترجعوا كرامتهم... وحياهم العالم بأكمله على صمودهم وفوزهم بالتحدي الذي رفعوه... ولم يصدقوا قطاف ثماره بعد ثمانية عشر يوما من مظاهراتهم وثورتهم المباركة... فهي إذن الثورة البيضاء الحقيقية الأقل كلفة والأسرع في تاريخ جميع الثورات في تاريخ الانسانية إلى حدود يومنا هذا وأتمنى أن تأتي ثورة أخرى في دولة أخرى بأرقام وبسرعة أفضل مما حققه المصريون... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون...